موقع الحواش | منتدى الحواش  حواش العز
                 

Left Nav التسجيل التقويم البحبشة مشاركات اليوم اجعل جميع المنتديات مقروءة Right Nav

Left Container Right Container
 
فقط أكتب ما تريد البحث عنة دون الضغط على زر Enter 
سجّل عضويتك معنا       
   
العودة   موقع الحواش | منتدى الحواش حواش العز » حواشيات أدبية وثقافية وفنية » منتدى الشعر والأدب » مقالات خليل جبران

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 19-09-2010, 07:05 PM   #1
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي رسائل مَي وجُبران " حُبّ أم أدب "

"رسائل الحُب، بين جبران خليل جبران، ومي زيادة"


" حُبّ أم أدب "



هو حُبٌّ فريدٌ في عصره، كذلك نادرًا في تاريخ الأدب العربي، والعالمي.


لقد استمرَّت علاقةُ الحُبِّ بينهما، عشرين عامًا، دون أن يلتقيا إلا في عالم الفكر والروح، والأدب!
وكيف يلتقيان؟ وبينهُما سبعة آلاف ميل، تفصل أجسادهم عن بعض، ومع ذلك كانا أقرب قريبين وأشغف حبيبين.
نما حبُّهم، عبر مُراسلة أدبيَّة طريفة، ومُساجلات فكرية؛ وروحيَّة، ألفت بين قلبي الأديبين.
وعلى الرغم من كُل ما كُتب عن علاقات جبران الغرامية بعدد من النساء أمثال ماري هاسكل وميشلين، فإنَّ حُبَّه لـ مي كان الحُبَّ الوحيد الذي ملك عليه قلبه وخياله.

من جُبران إلى مَي
نيويورك 2 كانون الثاني 1914

حضرة الأديبة الفاضلة

قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطرعلى بالي كونك " شريرة" أما الآن وقد صرّحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي سوى تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي! أنت بالطبع تفتخرين بقولك – أنا شريرة – ويحق لك الافتخار لأن الشر قوة تضارع الخير بعزمها وتأثيرها. ولكن اسمحي لي أن أقول لك مصرحاً بأنك مهما تماديت بالشر فلا تبلغين نصف ما بلغته فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم بل أنا شرير كالروح السوداء التي تحرس أبواب الجحيم! وأنت بالطبع ستصدقين كلامي هذا.!

غيرَ أنَّني للآن لم أفهم الأسباب الحقيقيَّة التي دعتكِ إلى استخدام الشَّر ضدِّي فهلا تكرَّمتِ بإفهامي؟ قد أجبتُ على كُلِّ رسالةٍ تكرَّمتِ بها عليّ واسترسلتُ متعمِّقاً بمعاني كُلِّ لفظةٍ تعطَّفتِ بهَمسها في أذني فهل هُناك أمرٌ آخر كان يجبُ عليّ أنْ أفعله؟ أو لم تُبدعي لي من "لاشيء" ذنباً لتبيني لي مقدرتك على الاقتصاص؟ لقد فلحتِ وأحسنتِ البَيان, أمَّا أنا فقد آمنتُ باقنومك الجَديد الكُلي المُطلق الجَامع بين أسياف "كالي" ربَّة الهند, وسهام "ديانا" معبودة الأغريق.

والآن وقد فهمَ كُلٌّ منَّا ما في روح الآخر من الشَّر والمَيلإلى الاقتصاص فلنعُد إلى مُتابعة الحديث الذي ابتدأنا به منذ عامين. كيف أنتِ وكيف حالُك؟ هل أنت بصحة وعافية (كما يقول سُكَّانُ لبنان)؟هل خلعتِ ذراعاً ثانية في الصَّيف الماضي أم منعتكِ والدتُك من رُكوب الخيل فعُدتِ إلى مصر صحيحةَ الذراعين؟ أمَّا أنا فصحَّتي أشبه شيء بحديث السَّكران وقد صرفتُ الصَّيف والخريف متنقلاً بين أعالي الجبال وشواطئ البَحر ثمَّ عدتُ إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم لمتابعة الأعمال ومصارعة الأحلام – تلك الأحلام الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي إلى أعماق الوادي.

وقد سررتُ باستحسانكِ مجلَّة الفنون فهي أفضلُ ما ظهر من نوعها في العالم العربي, أمَّا صاحبها فهو فتى عذب النفس دقيق الفكر وله كتابات لطيفة وقصائد مبتكرة ينشرها تحت اسم "ليف" ومما يستدعي الإعجاب بهذاالشاب هو أنه لم يترك شيئاً مما كتبه الافرنج إلا وعرفه حقَّ المعرفة. أمَّا صديقُنا أمين الريحاني فقد ابتدأ بنشر رواية جديدة طويلة في مجلَّة فنون وقد قرأ لي أكثر فصولها فوجدتها جميلة للغاية ولقد أخبرت صاحب الفنون بأنك سوف تبعثين إليّ بمقالة ففرح وبات يترقَّب.
بكُلِّ أسفٍ أقول إنَّني لا أحسن الضرب على آلة من آلات الطرب ولكنني أحبُّ الموسيقى محبَّتي للحياة ولي ولعٌ خاص بدرس قواعدها ومبانيها والتعمُّق بتاريخ نشأتها وارتقائها, فان ابقتني الأيَّام سأكتبُ رسالة طويلة في الدوائر العربية والفارسية وكيفية ظهورها وتدرجها وتناسخها.

ولي ميلٌ للموسيقى الغربية يضارع ميلي للأنغام الشرقية فلا يمر أسبوع إلا وأذهب مرَّة أومرَّتين إلى الأوبرا غير أنِّي أفضِّل من البيان الموسيقي الأفرنجي تلك المعروفة بالسنفوني والسوناتا والكنتاتا على الأوبرا والسَّبب في ذلك خلوّ الأوبرا من البساطة الفنية التي تناسب أخلاقي وتتمايل مع أميالي. واسمحي لي الآن أن أغبط يدك على عودك وعودك على يدك وأرجوك أن تذكري اسمي مشفوعاً باستحساني كلما ضربت نغما لنهوند على الأوتار فهو نغم أحبُّه ولي رأي فيه يشابه رأي "كارليل في النبي محمد".

(كارلايل: أديب ومؤرخ انكليزي درس بعضا من العربية في جامعة كمبردج سنة 1795 وكتب عن النبي محمد فصلا ضمنه إعجابه بشخصيته البطولية في مؤلفه" الأبطال, عبادة الأبطال, والبطولة في التاريخ".

وهلا تكرَّمتِ بذكري أمام هيبة أبي الهول؟ عندما كنت في مصر كنت أذهب مرتين في الأسبوع واصرف الساعات الطوال جالساً على الرمال الذهبية محدقاً بالأهرام وكنت في ذلك العهد صبياً في الثامنة عشرة ذا نفس ترتعش أمام المظاهرالفنية ارتعاش الأعشاب أمام العاصفة, أما أبو الهول فكان يبتسم لي ويملأ قلبي بحزن عذب وندبات مُستحبة.
ها قد انتصف الليل فليُسعد الله مساءك ويبقيك للمخلص.

نيويورك 2 كانون الثاني 1914

التعديل الأخير تم بواسطة : إنانا بتاريخ 28-09-2010 الساعة 10:31 AM.

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-09-2010, 12:40 PM   #2
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي 2

"رسائل الحُب، بين جبران خليل جبران، ومي زيادة "



" حُبّ أم أدب "


(2)

حضرة الأديبة الفاضلة الآنسة ماري زيادة المحترمة

سلام على روحك الطيبة الجميلة. وبعد فقد استلمت اليوم أعداد المقتطف التي تفضلت بإرسالها إليّ فقرأت مقالاتك الواحدة أثر الأخرى وأنا بين السرور العميق والإعجاب الشديد. ولقد وجدت في مقالاتك سرباً من تلك الميول والمنازع التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت أحلامي ولكن هناك مبادئ ونظريات أخرى وددت لو كان بامكاننا البحث فيها شفاها. فلو كنت الساعة في القاهرة لاستعطفتك لتسمحي لي بزيارتك فنتحدث مليا في "أرواح الأمكنة" وفي "العقل والقلب" وفي بعض مظاهر "هنري برغسن"
(هنري برغسن فيلسوف فرنسي حاز على جائزة نوبلعام 1927 وهو صاحب نظرية الروحانية ضد هجمات المذاهب المادية. من مؤلفاته "المادية والذاكرة" و "التطور والأخلاق").
غير أن القاهرة في مشارق الأرض ونيويورك في مغاربها وليس من سبيل إلى الحديث الذي أوده وأتمناه.

إنَّ مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة إطلاعك وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب، وعلاوة على ذلك فهي تبين بصورة جلية اختباراتك النفسية الخاصة – وعندي أن الاختبارأو الاقتناع النفسي يفوق كل علم وكل عمل – وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية.

ولكن لي سُؤالٌ استأذنكِ بطرحه لديكِ وهو هَذا: ألا يجيء يوم يا ترى تنصر فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها الخاصة ومخبآتها النبيلة؟ أفليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر والشعراء؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن اقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول مثلا من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون المصرية وكيفية تدرجها من عهد إلى عهد ومن دولة إلى دولة لأن بنظمك قصيدة في ابتسامة أبي الهول تهبيني شيئاً نفسياً ذاتياً أما بكتابتك رسالة في تاريخ الفنون المصرية فانك تدلينني على شيءعمومي عقلي. وكلامي هذا لا ينفي كونك تستطيعين اظهار اختباراتك النفسية الذاتية في كتابة تاريخ الفنون المصرية بيد أني أشعر بأن الفن – والفن اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح- هو أحرى وأخلق بمواهبك النادرة من البحث – والبحث اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في الاجتماع. ليس ما تقدم سوى شكل من الاستعطاف باسم الفن.

فأنا استعطفكِ لأنِّي أريد أن استميلكِ إلى تلك الحُقول السِّحرية حيثُ سافو (شاعرة اغريقية ولدت في مدينة ليزبوس في أوائل القرن السادس قبل الميلاد, لها تسع دواوين من الشعر الغنائي والاناشيد لم يصلنا منها سوى بضع قصائد (وايليزبيت براوننغ) شاعرة بريطانية مبدعة تمتاز قصائدها بالعمق والرقة والنزعة الصوفية. وهي زوج الشاعرالانكليزي روبيرت براوننغ الذي أحبها من خلال قصائدها قبل أن يتعرف إليها ثم زارها في بيتها فأحبته حباً عارماً جعلها تتغلب على مرض عضال كان قد أقعدها (وأليس شراينر) كاتبة انكليزية دعت في مؤلفاتها إلى تحرير النساء)وغيرهن من أخواتك اللواتي بنين سلّما من الذهب والعاج بين الأرض والسماء.

نيويورك 24 كانون الثاني – 1919

التعديل الأخير تم بواسطة : إنانا بتاريخ 28-09-2010 الساعة 10:33 AM.

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-09-2010, 01:07 PM   #3
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي /3/

"رسائل الحُب، بين جبران خليل جبران، ومي زيادة"



" حُبّ أم أدب "


/3/

نيويورك حزيران – 1919

عزيزتي الآنسة ميّ

رجعتُ اليوم من سفرة مستطيلة إلى البرية فوجدتُ رسائلكِ الثلاث والمقال الجميل الذي تفضلت بنشره في جريدة المحروسة. ولقد علمت من خادمي أن هذه الرسائل بل هذه الثروة الجليلة قد وصلت معاً منذ أربعةأيام. الظاهر أن البريد المصري قد توقف عن اصدار الرسائل من القطر مثلما حجزالرسائل الواردة إليه.

ولقد انصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري مصغياً إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة والتعنيف – أقول التعنيف لأنني وجدت في رسالتك الثانية بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم لتألمت منها. ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالنجوم ؟ وكيف أحول عيني عن شجرة مزهرة إلى ظلّ من أغصانها؟ وكيف لا أقبل وخزة صغيرة من يد عطرة مفعمة بالجواهر؟ إن حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام لاولن يتحول إلى عتاب أو مناظرة، فأنا أقبل بكل ما تقولينه لاعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا ألا نضيف فتراً واحداً إلى هذه المسافة الشاسعة بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش إلى الخالد. يكفينا يا صديقتي ما في هذه الأيام وهذه الليالي من الأوجاع والتشويش والمتاعب والمصاعب. وعندي أن فكرة تستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لا تزعجها كلمة جاءت في كتاب أو ملاحظة أتت في رسالة. إذا فلنضع خلافاتنا، وأكثرها لفظيةفي صندوق من ذهب ولنرمي بها إلى بحر من الابتسامات.

ما أجمل رسائلكِ يا ميّ وما أشهاها، فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي، بل هي كقيثارة اورفيوس (شاعر وموسيقي تحدثت عنه أساطير اليونان, سحر بأنغامه وحش الغاب وآلهة الجحيم) تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة. إن يوماً يجيئني منكِ برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل؟ ذلك يوم انتحى فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولا في إرم ذات العماد.

وبما أجيب على سؤالاتك؟ وكيف أستطيع متابعة الحديث وفي النفس مالا يسيل مع الحبر؟ ولكن لا بد من متابعة الحديث. فما بقي صامتاً ليس بالغير مفهوم لديك.

تقولين في رسالتك الأولى "لو كنت أنا في نيويورك لكنت زرت مكتبك الفني في هذه الأيام" أفلم تزوري مكتبي قط؟ أليس وراء أثواب الذكرى الظاهرة جسد خفي للذكرى؟ انما مكتبي هيكلي وصديقي ومتحفي وجنتي وجحيمي. هو غاب تنادي فيه الحياة الحياة وهو صحراء خالية أقف في وسطها فلا أرى سوى بحر من رمال وبحر من أثير. إن مكتبي ياصديقي هو منزل بدون جدران وبدون سقف.

ولكن في مكتبي هذا أشياء كثيرة أحبها وأحافظ عليها. أنا مولع بالآثار القديمة وفي زوايا هذا المكتب مجموعة صغيرة من طرائف الأجيال وبعض نفائسها كتماثيل وألواح مصرية ويونانية ورومانية وزجاج فينيقي وخزف فارسي وكتب قديمة العهد ورسوم ايطالية وفرنسية وآلات موسيقية تتكلم وهي صامتة. ولا بد من الحصول يوما ما على تمثال كلداني من الحجر الأسود. إني أميل بكليتي إلى كل شيء كلداني فأساطير هذا الشعب وشعره وصلواته وهندسته بل وأصغر أثر أبقاها لدهر من فنونه وصنائعه ينبّه في داخلي تذكارات غامضة بعيدة ويعود بي إلى الماضي الغابر ويجعلني أرى الحاضر من نافذة المستقبل. أحب الآثار القديمة وأشغف بها لأنها من أثمار الفكرة البشرية السائرة بألف قدم من الظلام نحو النور – تلك الفكرة الخالدة التي تغوص بالفن إلى أعماق البحار وتصعد به إلى المجرة.

أما قولك "ما أسعدك أنت القانع بفنك" فقد جعلني أفتكر طويلاً، لا يا ميّ لست بقانع ولاأنا بسعيد. في نفسي شيء لا يعرف القناعة ولكنه ليس كالطمع، ولا يدري ما السعادةغير أنه لا يشابه التعاسة. في أعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لا أريد ابد الهذا ولا تغيير ذاك – ومن كان هذا شأنه فهو لا يعرف السعادة ولا يدري ما هي القناعة ولكنه لا يشكو لأن في الشكوى ضرباً من الراحة وشكلاً من التفوق.

وهل أنت سعيدة وقانعة بمواهبك العظيمة؟ أخبريني يا ميّ هل أنت قانعة وسعيدة؟ أكاد أسمعك هامسة: "لا لست بقانعة ولا أنا بسعيدة"

إنَّ القناعةَ هي الاكتفاء والاكتفاء محدودٌ وأنتِ غير محدودة.
أمَّا السَّعادة فهي أن يملأ المرء نفسه من خمرة الحياة ولكن من كان كأسه سبعة آلاف فرسخ بالطول وسبعة آلاف فرسخ بالعرض لا ولن يعرف السَّعادة حتى تنسكب الحياة بكاملها في كأسه. أفليس كأسك يا ميّ سبعة آلاف فرسخ وفرسخ؟

وماذا أقول عن "جوي المعنوي؟" لقد كانت حياتي منذ عام أو عامين لا تخلو من الهدوء والسلامة أما اليوم فقد تبدل الهدوء بالضجيج والسلامة بالنزاع. إن البشر يلتهمون أيامي ولياليّ ويغمرون أحلامي بمنازعهم ومراميهم فكم مرة هربت من هذه المدينة الهائمة إلى مكان قصيّ لأتخلص من الناس ومن أشباح نفسي أيضاً. إنما الشعب الأماركي جبار لا يكل ولا يمل ولا يتعب ولا ينام ولا يحلم، فإذا بغض هذا الشعب رجلا قتله بالإهمال وإذا أحبه قتله بالانعطاف فمن شاء أن يحيى في نيويورك عليه أن يكون سيفاً سنيناً ولكن في غمد من العسل: السيف لروع الراغبين في قتل الوقت والعسل لارضاء الجائعين!

وسوف يجيء يوم أهرب فيه إلى الشرق. إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني ولولا هذا القفص الذي حبكت قضبانه بيدي – لاعتليت متن أول سفينة سائرة شرقاً ولكن أي رجل يستطيع أن يترك بناءً صرف عمره بنحت حجارته وصفّها؟ حتى وإن كان ذلك البناء سجناً له فهو لا يقدر أو لا يريد أن يتخلص منه في يوم واحد.
سامحيني أيتها الصديقة العزيزة فقد أزعجتك بالكلام عن نفسي وبشكواي من أمور أدعى إلى الجهاد منها إلى التذمر.

إن استحسانك " المواكب" قد جعلها عزيزة لديّ. أما قولك بأنك ستستظهرين أبياتها فمنّة أحني أمامها رأسي، غير أنني أشعر بأن حافظتك خليقة بقصائد أسمى وأبلغ وأنبل من كل ما جاء في المواكب، بل ومن كل ماكتبته وأكتبه.
وأما قولك في رسوم الكتاب "أنتم أهل الفن تبرزون هذه البدائع بقوىأثيرية احتفظتكم عليها ملوك الجوزاء فنأتي بغباوتنا أشقياء مظلومون ونحن بها أشقياء خاسرون" فكلام لا أقبله بل إني استميحك بالتمرد عليه و(ما أكثر تمردي) – أنت ياميّ منا وفينا. بل وأنت بين بنات الفن وأبنائه كالوردة بين أوراقها. إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في "المحروسة" عن رسوم المجنون لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة وبصيرة نفاذة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس. ولست بمبالغ إذا قلت بأنك أول صبية شرقية مشت في غابة " الأخوات التسع (إشارة إلى الآلهات التسع في الميثولوجيا الاغريقية المشرفات على الآداب والفنون وقد عرفن بأسماء عديدةفي عصور التاريخ القديم) بقدم ثانية ورأس مرفوع وملامح منفرجة كأنها في بيت أبيها. ألا فأخبريني كيف عرفت كل ما تعرفين وفي أي عالم جمعت خزائن نفسك وفي أي عصر عاشت روحك قبل مجيئها إلى لبنان؟ إن في النبوغ سراً أعمق من سر الحياة.

وأنت تريدين أن تسمعي ما يقوله الغربيون عني، فألف شكر لك على هذه الغيرة وهذا الاهتمام القومي. لقد قالوا الشيء الكثير وكانوا مبالغين في أقوالهم متطرفين في ظنونهم متوهمين وجود الجمل في وكر الأرنب. ويعلم الله يا صديقتي بأنني ما قرأت شيئاً حسناً عني إلا ونحت في قلبي. إن الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا. ولكن لا بد من المسير حتى ولو قوّص الحمل الثقيل ظهورنا, ولا بد من استنباط القوة من الضعف. أنا باعث إليك في غلاف آخر بشيء من أقوال الجرائد والمجلات وستعلمين منها أن الغربيين قد ملوا أشباح أرواحهم وضجروا من ذواتهم فأصبحوا يتمسكون بالغريب الغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقياً. هكذا كان الشعب الأثيني بعد انقضاء عصره الذهبي. لقد بعثت منذ شهر أو أكثر بمجموعة من أقوال الصحف في المجنون إلى اميل زيدان (تولى رئاسة تحرير مجلة الهلال سنة 1914 التي أسسها والده الأديب العلامة جرجي زيدان) وهو بالطبع من أصدقائك.
أحمدالله وأشكره على انقضاء الأزمة عندكم. ولقد كنت أقرأ أخبار تلك المظاهرات فأتخيلك هائبة فأهاب, مضطربة فاضطرب. ولكنني كنت أردد في الحالين قول شكسبير:

Do not fear our person.
There’s such divinity doth hedge a king
That treason can but peep to what it would
Acts little of his will.
لا تخافي منا
فالملك تحيط به هالة من القداسة
وليس في مقدور الخيانة
أن تبلغ ما ترمي إليه
أو تحد من عزيمته

وأنت يا ميّ من المحروسين وفي نفسك مَلَكٌ يحميه الله من كل مكروه.
وتسألين ما اذا كان لكم من صديق في ربوعنا؟

أي والحياة وما في الحياة من حلاوة جارحة ومرارة مقدسة إن لكم في ربوعنا صديقاً إرادته تدافع عنكم ونفسه ترغب في الخير لكم وابعاد السوء عنكم وتحميكم من كل أذى. وقد يكون الصديق الغائب أدنى وأقرب من الصديق الحاضر. أفليس الجبل أكثر هيبة وأشد وضوحاً وظهوراً لسائرٍ في السهل منه لساكنيه؟

ها قد غمر المساء هذا المكتب بوشاحه فلم أعد أرى ما تخطه يدي. وألف تحية لك وألف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً.


صديقك المُخلص
جبران خليل جبران

التعديل الأخير تم بواسطة : إنانا بتاريخ 28-09-2010 الساعة 10:36 AM.

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-09-2010, 05:55 PM   #4
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي /4/

"رسائل الحُب، بين جبران خليل جبران، ومي زيادة"



" حُبّ أم أدب"



/4/
ارتاحت مي لهذه اللهجه، وتشجعت على مداعبته في الحديث، والأفضاء إليه بخوالج نفسها وهمومها .. كان همها أن يبقى جبران حبيبها الأوحد لتدوم تلك الشعله الزرقاء منهلاً للنعيم والنور في حياتها. أضحت مي شديدة القلق على صحة جبران في سنوات عمره الأخيره كما يبدوا جلياً في رسائله إليها، وقد وصف جبران أسلوبها ورسائلها فقال انها:


(كالنَّهر الرَّحيق الذي يتدفَّق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي، بل كالقيثارة التي تُقرّب البعيد وتُبعد القريب، وتحوّل بارتعاشاتها السِّحريَّة الحجارة إلى شعلات متقّده، والأغصان اليابسة إلى أجنحه مُضطربه).

التعديل الأخير تم بواسطة : إنانا بتاريخ 28-09-2010 الساعة 10:39 AM.

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-09-2010, 02:45 PM   #5
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي /5/

/5/

يا ميّ

ها قد بلغنا قمة عالية فظهرت أمامنا سهول وغابات وأودية، فلنجلس ساعة ولنتحدث قليلاً. نحن لا نستطيع البقاء هنا طويلاً لأني أرى عن بعد قمة أعلى من هذه وعلينا أن نصل إليها قبل الغروب، ولكننا لن نترك هذا المكان إلا وأنتِ فرحة، ولن نخطو خطوة إلا وأنتِ مطمئنة.

قد قطعنا عقبة صعبة المسالك، قطعناها بشيءٍ من التلبك، وإني أعترف لكِ بأنني كنت ملحّاً لجوجاً غير أن إلحاحي كان نتيجة مقررة لشيءٍ أقوى مما ندعوه إرادة. وأعترف لكِ بأنني لم أكن حكيماً في بعض الأمور ولكن أليس في الحياة ما لا تبلغه أصابع الحكمة؟ أليس فينا ما تتحجر الحكمة أمامه؟ ولو كانت اختباراتي يا ميّ تماثل بوجه من الوجوه ما اختبرته في ماضيّ لما أعلنتها، ولكنها جاءت جديدة غريبة وعلى حين غفلة. ولو كنت إذ ذاك في القاهرة وأظهرتها لكِ شفاهاً وبصورة بسيطة مجردة خالية مما في الشخصيات من المرامي الذاتية لما حدث بيننا سوء تفاهم. ولكن لم أكن إذ ذاك في القاهرة، ولم يكن لدي من وسيلة إلا المراسلة – والمراسلة في هذه "المواضيع" تلبس أبسط الأمور ثوباً من المركبات وتسدل على وجه المجردات نقاباً كثيفاً من الكلفة. فكم مرة نريد أن نبدي فكرة بسيطة فنضعها في ما يتيسر لنا من الألفاظ، تلك الألفاظ التي تعودت أقلامنا سكبها على الورق، فينتج عن كل ذلك "قصيدة منثورة" أو "مقالة خيالية". أما السبب فهو أننا نشعر ونفكر بلغة أصدق وأصح من اللغة التي نكتب بها. نحن بالطبع نحب القصائد المنثورة والمنظومة ونحب المقالات الخيالية وغير الخيالية، بيد أن العاطفة الحية الحرة شيء والبيان في المراسلات شيء آخر. مذ كنت صبياً في المدرسة وأنا ابتعد بقدر استطاعتي عن التعابير القديمة المتداولة لأنني كنت ولم أزل أشعر بأنها تخفي الفكر والعاطفة أكثر مما تظهرهما، ولكن يبدو لي الآن أنني لم أتملص مما أتبرم منه – يبدو لي أنني كنت منذ سنة ونصف سنة حيث كنت وأنا في الخامسة عشر، ودليلنا على ذلك ما أثمرته رسائلي من سوء التفاهم.


أقول ثانية أنني لو كنت في القاهرة لوقفنا أمام اختباراتنا النفسية وقوفنا أمام البحر أو أمام النجوم أو أمام شجرة تفاح مزهرة. ومع كل ما في اختباراتنا من الغرابة فهي ليست بأغرب من البحر أو من النجوم أو من الشجرة المزهرة، ولكن من العجائب أننا نمتثل ونستسلم إلى معجزات الأرض والفضاء وفي الوقت نفسه نستصعب تصديق ما يظهر في أرواحنا من المعجزات.

كنت أعتقد يا ميّ، وما برحت أعتقد، أن بعض الاختبارات لا تحدث إلا إذا اشترك بها اثنان في وقت واحد. وربما كان هذا الاعتقاد سبباً أولياً لتلك الرسائل التي جعلتك أن تقولي لنفسكِ "يجب أن نقف هنا" الحمد لله لأننا لم "نقف هناك".
الحياة يا مي لا تقف في مكان من الأمكنة، وهذا الموكب الهائل بجماله لا يستطيع سوى المسير من لا نهاية إلى لا نهاية. ونحن، ونحن الذين نقدس الحياة ونميل بكل قوانا إلى الصالح والمبارك والعذب والنبيل في الحياة، نحن الذين نجوع ونعطش إلى الثابت الباقي في الحياة لا نريد أن نقول أو نفعل ما يوعز الخوف أو ما "يملأ الروح شوكاً وعلقماً". نحن لا نريد ولا نقدر أن نلمس جوانب المذبح إلا بأصابع طهرت بالنار. ونحن إذا احببنا شيئاً يا ميّ نحسب المحبة نفسها محجة لا واسطة للحصول على شيء آخر، وإذا خضعنا خاشعين أمام شيء علوي نحسب الخضوع رفعة والخشوع ثواباً وإذا تشوقنا إلى شيء نحسب الشوق بحد ذاته موهبة ونعمة. ونحن نعلم أن أبعد الأمور هو أخلقها وأحقها بميلنا وحنيننا، ونحن – أنت وأنا- لا نستطيع حقيقةً أن نقف في نور الشمس قائلين " يجب أن نوفر على نفوسنا عذاباً نحن بغنى عنه " لا يا ميّ، نحن لسنا بغنى عما يضع في النفس خميرة قدسية، ولسنا بغنى عن القافلة التي تسير بنا إلى مدينة الله، ولسنا بغنى عما يقربنا من ذاتنا الكبرى، ويرينا بعض ما في أرواحنا من القوى والأسرار والعجائب. وفوق كل ذلك فنحن نستطيع أن نجد السعادة الفكرية في أصغر مظهر من مظاهر الروح، ففي الزهرة الواحدة نشاهد كل ما في الربيع من الجمال والبهاء،وفي عيني الطفل الرضيع نجد كل ما في البشرية من الآمال والأماني. لذلك لا نريد أن نتخذ أقرب الأشياء وسيلة أو مقدمة للوصول إلى أبعدها، كما أننا لا نريد ولا نقدر أن نقف أمام الحياة ونقول مشترطين "أعطنا ما نريد أو لا تعطينا شيئاً – إما ذاك وإما لا شيء" لا يا مي، نحن لا نفعل ذلك لأننا نعلم أن الصالح والمبارك والثابت في الحياة لا يسير كما نشاء بل يسيرنا كما يشاء. وأيّ مطمع لنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا، في إعلان سر من أسرار أرواحنا سوى التمتع بإعلان ذلك السر؟ وما هي غايتنا من الوقوف بباب الهيكل سوى مجد الوقوف؟ ماذا يا ترى يبغي الطائر إذا ترنم والبخور إذا احترق؟ أو ليس في هذه النفوس المستوحدة سوى المنازع المحدودة؟

ما أعذب تمنياتك لي في يوم مولدي وما أطيب أريجها. ولكن اسمعي يا مي هذه الحكاية الصغيرة واضحكي قليلاً على حسابي! شاء نسيب عريضة أن يجمع "دمعة وابتسامة" في كتاب، وذلك قبل زمن الحرب، وشاء أن يحشر مقالة "يوم مولدي" بين تلك القطع الضئيلة، ورأى أن يضع التاريخ مع العنوان ولم أكن حينئذ في نيويورك، فأخذ يبحث – وهو بحّاثة لا يكل ولا يمل – حتى وجد تاريخ ذلك اليوم البعيد باللغة الانكليزية فترجم " JANUARY 6 th " إلى " 6 كانون الاول"! وهكذا خصم من سني حياتي سنة وأخر يوم مولدي الحقيقي شهراً! ومنذ ظهور كتاب دمعة وابتسامة حتى اليوم وأنا أتمتع في كل سنة بيوميّ مولدي،الأول أوجدته غلطة في الترجمة أما الثاني فلا أدري أي غلطة في الأثير أوجدته! وتلك السنة التي سُرقت مني – يعلم الله وأنتِ تعلمين أنني اشتريتها غاليةً، اشتريتها بنبضات قلبي، اشتريتها بسبعين وزنة من الألم الصامت والحنين إلى ما لا أعرفه، فكيف أسمح لغلطة في كتاب أن تسلبني إياها؟


أنا بعيد عن "الوادي" يا مي. جئت هذه المدينة – بوسطن – منذ عشرة أيام لعمل تصويري، ولو لم يبعثوا إليّ ببقجة من الرسائل الواردة إلى عنواني في نيويورك لعشت عشرة أيام أخرى بدون رسائلك، هذه الرسالة التي حلت ألف عقدة في حبل روحي، وحولت الانتظار، وهو صحراء، إلى حدائق وبساتين.
الانتظار حوافر الزمن يا ميّ، وأنا دائما في حالة الانتظار. يخال لي في بعض الأحايين أنني أصرف حياتي مترقبا حدوث ما لم يحدث بعد، وما أشبهني بأولئك العمي والمقعدين الذين كانوا يضطجعون بقرب بركة " بيت حسدا" في أورشليم "لأن ملاكاً كان ينزل أحيانا في البركة ويحرك الماء فمن نزل أولا بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه". (بيت حسدا: إشارة إلى اليعازر وقيامته من الموت في انجيل متى).

أما اليوم، وقد حرك ملاكي بركتي ووجدت من يلقيني في الماء، فإني أسير في ذلك المكان المهيب المسحور وفي عيني نور وفي قدمي عزم. أسير بجانب خيال أجمل وأطهر لبصيرتي من حقيقة الناس كافة، أسير وفي يدي يد حريرية الملامس ولكنها قوية وذات إرادة خاصة، ولينة الأصابع ولكنها تستطيع رفع الأثقال وتكسير القيود. وبين الآونة والأخرى ألتفت فأرى عينين مشعشعتين وشفتين تداعبهما ابتسامة جارحة بحلاوتها.

قلت لكِ مرة إن حياتي مقسومة إلى حياتين وإني أصرف الواحدة منهما بين العمل والناس والثانية في الضباب. قد كان ذلك بالأمس، أما اليوم فقد توحدت حياتي وصرت اشتغل في الضباب وأجتمع بالناس في الضباب، وأنام وأحلم ثم استيقظ وأنا في الضباب. هي نشوة محاطة بحفيف الأجنحة، فالوحدة فيها ليست بالوحدة، وألم الحنين إلى غير المعروف أطيب من كل شيء عرفته. هي غيبوبة ربانية يا ميّ، هي غيبوبة ربانية تدني البعيد وتبين الخفي وتغمر كل شيء بالنور. أنا أعلم الآن أن الحياة بدون هذا الانجذاب النفسي ليست سوى قشور بغير لباب. وأحقق أن كل ما نقوله ونفعله ونفكر به لا يساوي دقيقة واحدة نصرفها في ضبابنا.

وأنت تريدين كلمة " نشيد غنائي" أن تحفر في قلبي! تريدينها أن تنتقم لك من هذا الكيان الخافت الذي يحملني وأحمله. لندعها تحفر وتحفر وتحفر، بل لننادي جميع الأناشيد الغنائية الهاجعة في الأثير، ولنأمرها أن تنتشر في هذه البلاد الواسعة لتحفر الترعات، وتمد السبل وتبني القصور والأبراج والهياكل، وتحول الوعر إلى حدائق وكروم لأن شعباً من الجبابرة الفاتحين، وفي الوقت نفسه أنت ابنة صغيرة في السابعة تضحك في نور الشمس وتركض وراء الفراشة وتجني الأزهار وتقمز فوق السواقي. وليس في الحياة شيء ألذ وأطيب لديّ من الركض خلف هذه الصغيرة الحلوة والقبض عليها ثم حملها على منكبي ثم الرجوع بها إلى البيت لأقص عليها الحكايات العجيبة الغريبة حتى تكتحل أجفانها بالنعاس وتنام نوماً هادئاً سماوياً

بوسطن 11 كانون الثاني 1921

التعديل الأخير تم بواسطة : إنانا بتاريخ 28-09-2010 الساعة 10:41 AM.

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-09-2010, 11:21 AM   #6
Moussa Hanna
 
الصورة الرمزية Moussa Hanna
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 2,318
افتراضي

إنانا هاد الموضوع التوثيقي لها الرسائل كتيررررررررررر مهم , الله يعطيكي العافية يا رب ,

بصراحة انا اول مرة بعرف بوجود هـ الرسائل , في مجال اعرف كام رسالة هنن .

إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ
Moussa Hanna غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-09-2010, 07:28 PM   #7
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي

أكيد موسى كتير مهم انو نضوي على هالرسائل لأنون هني بالفعل مش بس حب، كمان أدب أرخ هالعلاقة الجميلة والشفافة بين مي وجبران رغم انون ما التقوا ولا مرة
وكتير ضروري انو الكل يقروون لان بهالزمن محتاجين انو نرجع نستقي شوي من حكم وتجارب عظماء مروا قبلنا متل جبران
هلأ ماني متأكدة من عدد الرسائل كل مرة عم يكون في شي جديد انا لسه عندي حوالي أربع رسائل بس كتير مهم انو كمان نطلع على رسائل مي لجبران وانشاء الله رح حاول احصل عليهون باقرب وقت

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-09-2010, 02:27 PM   #8
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي /6/

"رسائل الحُب، بين جبران خليل جبران، ومي زيادة"



" حُبّ أم أدب"



/6/

يا مي، يا ماري، ياصديقتي

(ماري هو اسم مي الأصلي، إلا أنها اختارت الثاني مختصرة اسمماري إلى مي وهو الاسم العربي الجميل الذي تغنى به الشعراء. وقد غلب عليها واشتهرت به وأصبح اسمها الأدبي والشخصي).

استيقظت الساعة من حلم غريب، ولقد سمعتك تقولين لي في الحلم كلمات حلوة ولكن بلهجة موجعة، والأمر الذي يزعجني فيهذا الحلم ويزعجني جداً – هو أنني رأيت في جبهتك جرحاً صغيراً يقطر دماً. ليس في حياتنا شيء أدعى إلى التفكير والتأمل من الأحلام. وأنا من الذين يحلمون كثيراً، بيد أنني أنسى أحلامي إلا إذا كانت ذات علاقة بمن أحبهم. لا أذكر أنني حلمت في ماضيَّ حلماً أوضح من هذا الحلم، لذلك أراني مشوشاً مضطرباً مشغول البال في هذا الصباح، ماذا تعني رنة التوجع في كلماتكِ الجميلة؟ وما معنى الجرح في جبهتكِ؟ وأيّ بشري يستطيع أن يخبرني مفاد انقباضي وكآبتي؟

سوف أصرف نهاري مصلياً في قلبي. أصلي لأجلكِ في سكينة قلبي. وسوف أصلي لأجلنا.

والله يباركك يا ميّ ويحرسك

نيويورك صباح الاثنين 30 أيار 1921

التعديل الأخير تم بواسطة : إنانا بتاريخ 28-09-2010 الساعة 10:42 AM.

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-09-2010, 03:59 PM   #9
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي /7/

"رسائل الحُب، بين جبران خليل جبران، ومي زيادة"



" حُبّ أم أدب"



/7/

صديقتي الفاضلة

تسألينني يا سيدتي ما إذا كنت وحيد الفكر والقلب والروح، فبما يا ترى أجيبك؟ أشعر أن وحدتي ليست بأشد ولا أعمق من وحدة غيري من الناس. كلنا وحيد منفرد. كلنا سر خفي. كلنا محجوب بألف نقاب ونقاب، وما الفرق بين مستوحد ومستوحد سوى أن الأول يتكلم عن وحدته والثاني يظل صامتاً. وقد يكون في الكلام بعض الراحة، وقد يكون في الصمت بعض الفضيلة؟

لا أدري يا سيدتي ما إذا كانت وحدتي بما فيها من الكآبة مظهراً " لهوى بعض شخصياتي" أو برهاناً على عدم وجود شخصية في هذا الكائن الذي أدعوه " أنا"، لا، لا أدري. ولكن إذا كانت الوحدة عنوان الضعف فأنا بدون شك أضعف الناس.

أما مقالة" نفسي مثقلة بثمارها" فلم تكن " أنة شاعر في ساعة غمّ عابرة" بل " صدى لعاطفة عمومية قديمة مستتبة شعر ويشعر بها الكثيرون", وسيدتي تعلم أن ميلنا إلى سكب ما في أرواحنا في كؤوس الآخرين لأشد بمالا يقاس من الرغبة في الارتواء مما يسكبه الآخرون في كؤوسنا. تلك صفة لا تخلو من الغرور في بعض الأحايين ولكنها طبيعية.

ما أحسن قولكِ" إن كربة الوحدة وتباريحها تشتد وسط الجماهير". هذه حقيقة أولية. فكم مرة يجلس الواحد منا بين أترابه ومريديه فيحدثهم ويجادلهم ويشاركهم بالأقوال والأعمال- يفعل كل ذلك بإخلاص ومسرة, ولكن فعله لا يتعدى حدود الذات المقتبسة من عالم المظهر، أما ذاته الأخرى، ذاته الخفية، فتبقى ساكنة مستوحدة في عالم المصدر.

الناس, وأنا منهم, ميالون إلى الدخان والرماد, أما النار فيخافونها لأنها تبهر العين وتحرق الأصابع. الناس, وأنا منهم, منصرفون إلى درس ثنايا قشور بعضهم بعضاً , أما اللباب فيتركونه وشأنه لأنه لا يقع تحت حواسهم. وكيف يستطيع اللباب أن يظهر إلا بكسر القشرة؟ وليس من الأمور الهينة أن يمزق المرء قلبه ليرى الناس مكنونات قلبه. وهذه هي الوحدة يا سيدتي, وهذه هي الكآبة.

قد أسأت التعبير- وبشيء من القصد- عندما قلت لكِ في أواخر الصيف الغابر " منذ ستة أسابيع وأنا أحاول الكتابة إليكِ" كان يجب أن أقول" من ستة أسابيع وأنا أستأجر بعض الناس للاهتمام برسائلي لأن أعصاب يميني لم تكن صالحة للكتابة" ولم أحلم قط بأن لفظة " أحاول" ستتحول إلى مبضع في يد صديقتي. كنت أتوهم أن الأرواح المجنحة لا تسجن في قفص من الألفاظ. وكنت أتوهم أن الضباب لا يتحجر وكنت أتوهم وأتوهم وأجد الراحة والطمأنينة في أوهامي، حتى إذا ما طلع الفجر واستيقظت وجدتني جالساً على رابية من رماد وفي يدي قصبة مرضوضة وعلى رأسي اكليل من الشوك.. لا بأس فأنا المخطىء، أنا، أنا المخطىء يا " مي" .

أرجو أن تحقق الأيام رغبتك في السفر إلى أوربا. سوف تجدين، خصوصاً في إيطاليا وفرنسا، من مظاهرالفن والصناعة ما يسرك ويبهجك. هناك المتاحف والمعاهد, وهناك الكنائس القديمةالغوطية، وهناك آثار نهضة القرنين – الرابع عشر والخامس عشر، وهناك أفضل ما تركته الأمم المغلوبة والأمم المنسية. أوربا يا سيدتي مغارة لص غاوي خبير يعرف قيمةالأشياء النفيسة ويعرف كيف يحصل عليها.


كان بقصدي الرجوع إلى الشرق في الخريف الآتي. ولكن بعد قليل من التفكير وجدت أن الغربة بين الغرباء أهون من الغربة بين أبناء وبنات أمي. وأنا لست ممن يميلون إلى الهيّن ولكن القنوط فنون كالجنون.
تفضلي بقبول تحيتي مشفوعة بأحسن تمنياتي والله يحفظك.


المخلص
جبران خليل جبران

نيويورك 9 أيار 1922

التعديل الأخير تم بواسطة : إنانا بتاريخ 28-09-2010 الساعة 10:43 AM.

كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-09-2010, 11:00 AM   #10
إنانا
 
الصورة الرمزية إنانا
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 2,198
افتراضي /8/

"رسائل الحُب، بين جبران خليل جبران، ومي زيادة"


" حُبّ أم أدب"


/8/
نيويورك 5 تشرين الأول 1923

لا يا مي، ليس التوتر في اجتماعاتنا الضبابية بل في اجتماعاتنا الكلامية. ما لقيتكِ في ذلك الحقل البعيد الهادئ إلا وجدتك الصبية العذبة العطوفة التي تشعر بكل الأشياء وتعرف كل الأشياء وتنظر إلى الحياة بنور الله وتغمر الحياة بنور روحها. لكن ما اجتمعنا بين سواد الحبر وبياض الورق إلا رأيتكِ ورأيتني أرغب الناس في الخصام والمبارزة – المبارزة العقلية المفعمة بالقياسات المحدودة والنتائج المحدودة.

الله يسامحكِ. لقد سلبتني راحة قلبي، ولولا تصلبي وعنادي لسلبتني إيماني. من الغريب أن يكون أحب الناس إليناأقدرهم على تشويش حياتنا.

يجب ألا نتعاتب، يجب أن نتفاهم. ولا نستطيع التفاهم إلا إذا تحدثنا ببساطة الأطفال. أنتِ وأنا نميل إلى الإنشاء بما يلازم الإنشاء من المهارة والتفنن والتنميق والترتيب. قد عرفنا، أنتِ وأنا، أن الصداقة والإنشاء لا يتفقان بسهولة. القلب يا مي شيء بسيط ومظاهر القلب عناصر بسيطة، أما الإنشاء فمن المركبات الاجتماعية. ما قولكِ في أن نتحول عن الإنشاء إلى الكلام البسيط؟

" أنت تحيين فيَّ وأنا أحيا فيكِ، أنتِ تعلمين ذلك وأنا أعلم ذلك".

أليست هذه الكلمات القليلة أفضل بما لا يقاس من كل ما قلناه في الماضي؟ ماذا يا ترى كان يمنعنا عن التلفظ بهذه الكلمات في العام الغابر؟ أهو الخجل أم الكبرياء أم الاصطلاحات الاجتماعية أم ماذا؟ منذ البدء عرفنا هذه الحقيقة الأولية فلماذا لم نظهرها بصراحة المؤمنين المخلصين المتجردين؟ لو فعلنا لكنا أنقذنا نفسينا من الشك والألم والندم والسخط والمعاكسات، المعاكسات، المعاكسات التي تحول عسل القلب إلى مرارة وخبز القلب إلى تراب. الله يسامحك ويسامحني.

يجب أن نتفاهم، ولكن كيف نستطيع ذلك بدون أن يقابل الواحد منا صراحة الآخر بالتصديق التام؟ أقول لكِ يا ماري، أقول لك أمام السماء والأرض وما بينهما, أنني لست ممن يكتبون "القصائد الغنائية" ويبعثون بها إلى الشرق وإلى الغرب كرسائل خصوصية، ولست ممن يتكلمون صباحاً عن نفوسهم المثقلة بالأثمار وينسون مساءً نفوسهم وأثمارها وأثقالها، ولست ممن يلمسون الأشياء المقدسة قبل أن يغسلوا أصابعهم بالنار، ولست ممن يجدون في أيامهم ولياليهم الفسحات الفارغة فيشغلونها بالمداعبات الغزلية، ولست ممن يستصغرون أسرار أرواحهم وخفايا قلوبهم فينشرونها أمام أية ريح تهبن، أنا كثير الأشغال مثل بعض الرجال الكثيري الأشغال، أنا أتوق إلى العظيم والنبيل والجميل النقي مثل بعض الرجال الذين يتوقون إلى العظيم والنبيل والجميل والنقي، وأنا غريب مستوحد مستوحش مثل بعض الرجال المستوحدين المستوحشين رغم سبعين ألف صديقة وصديق. وأنا مثل بعض الرجال، لا أميل إلى البهلوانيات الجنسية المعروفة عند الناس بأسماءٍ حسنة ونعوت أحسن، وأنا يا مي مثل جاركِ وجاري، أحب الله والحياة والناس، ولحد الآن لم تطلب مني الأيام أن ألعب دوراً لا يليق بجاركِ أو بجاري.

لما كتبت إليك في البداية كانت رسالتي دليلاً على ثقتي بك، لما جاوبتني كان جوابك دليلاً على الشك. كتبت إليك مضطراً فأجبتني متحذرة. حدثتك عن حقيقة غريبة فأجبتني بكل لطف قائلة " عافاك يا شاطر، ما أحسن قصائدك الغنائية." أناأعلم جيداً أنني لم أتبع إذ ذاك السبل المألوفة. وأنا لم أتبع ولن أتبع السبل المألوفة. وأنا أعلم أن تحذرك كان من الأمور المنتظرة، وهذا، هذا هو سبب ألمي، لأنني لم أنتظر المنتظر. لو كتبت لغير ميّ لكان عليّ أن أنتظر المنتظر. ولكن هل كان بإمكاني إظهار تلك الحقيقة لغير ميّ ؟

والغريب أنني لم أندم بعد ذلك. لا لم أندم بل بقيت متمسكاً بحقيقتي راغباً في إظهارها لكِ، فكتبت إليكِ مرات عديدة وكنت أحصل بعد كل مرة على الجواب اللطيف، ولكن من غير ميّ التي أعرفها. كنت أحصل على الجواب اللطيف من كاتمة أسرار ميّ، وهي صبية ذكية تعيش في القاهرة بمصر. ثم ناديت وناجيت، وكنت أحصل على الجواب نعم كنت أحصل على الجواب ولكن ليس من تلك التي " أحيا فيها وتحيا فيَّ "بل من امرأة متحذرة متشائمة تأخذ وتعطي معي كأنها المدّعي العمومي وكأنني المُدّعى عليه.


وهل أنا ناقم عليكِ؟

كلا، لكنني ناقم على كاتمة أسراركِ.

وهل حكمت عليك حكماً عادلاً أم غير عادل؟

كلا، لم أحكم أبداً. إن قلبي لا ولن يسمح بإيقافك أمام منصة القضاء، قلبي لا ولن يسمح لي بالجلوس عليها. إن ما بنا يا ميّ يقصينا عن جميع المحاكم. ولكن لي رأي في كاتمة أسراركِ وهو هذا:

كلما جلسنا لنتحدث تدخل علينا حضرتها وتجلس قبالتنا كمن يستعد لتدوين وقائع جلسة من جلسات مؤتمر سياسي. اسألك، اسألك يا صديقتي، هل نحن بحاجة إلى كاتمة الأسرار؟ هذا سؤال مهم. إذا كنتِ حقيقةً بحاجة إلى كاتمة أسراركِ فعليَّ إذاً أن أستدعي كاتم أسراري لأنني أنا أيضاً أريد تسيير أشغالي على الطراز الأول! أتريدين كاتم أسراري أن يكون معنا؟

انظري يا ميّ: ههنا طفلان جبلاويان يمشيان في نور الشمس، وهناك أربعة أشخاص؛ امرأة وكاتمة أسرارها ورجل وكاتم أسراره. ههنا طفلان يسيران يداً بيد، يسيران بإرادة الله إلى حيث يريد الله، وهناك أربعة أشخاص في مكتب يتجادلون ويتحاجون ويقومون ويقعدون وكل منهم يحاول إثبات ما يظنه حقاً له على حساب ما يظنه بُطلاً في الآخر. ههنا طفلان، وهناك أربعة أشخاص، فإلى أية جهة يميل قلبك؟ قولي لي إلى أية جهة؟

آه لو كنتِ تعلمين مقدار تعبي مما لا لزوم له. لو كنت تعلمين مقدار حاجتي إلى البساطة. لو كنت تعلمين مقدار حنيني إلى المجرد، المجرد الأبيض، المجرد في العاصفة، المجرد على الصليب، المجرد الذي يبكي لا يستر دموعه، المجرد الذي يضحك ولا يخجل من ضحكة- لو تعلمين، لو كنت تعلمين.

" وماذا أنا فاعل في هذاالمساء"؟


ليس الوقت مساءً. نحن في الساعة الثانية بعد منتصف الليل فإلى أي مكان تريدين أن نذهب في هذه الساعة المتأخرة ؟ الأفضل أن نبقى هنا، هنا في هذه السكينة العذبة. هنا نستطيع أن نتشوق حتى يدنينا الشوق من قلب الله. وهنا نستطيع أن نحب البشرية حتى تفتح لنا البشرية قلبها.

ها قد قبّل النعاس عينيك.

لا تنكري أن النعاس قد قبل عينيك. لقد رأيته يقبلهما. قد رأيته يقبلهما هكذا، هكذا كما يقبلون، فالقي رأسك هنا، إلى هذه الجهة ونامي، نامي صغيرتي، نامي فأنت في وطنكِ.

أما أنا فسوف أسهر، سوف أسهر وحدي. علي أن أبقى خافراً حتى الصباح. قد ولدت لأبقى خافراً حتى الصباح.


الله يحرسكِ. الله يبارك سهري. الله يحرسك دائماً



كـزجاجةٌ أنا .. يسُهل عليك كسـري

ولكن حذار من أن تعاود لملمتي مرة أخرى

لأني حتمـاً سوف أجـرحك
إنانا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


(مشاهدة الكل عدد الذين شاهدوا هذا الموضوع : 11 :
مرمورة , إنانا , Majed Alwajraji‎‏ , Moussa Hanna , normanhead , orly , سمية , شيرينا , PribraFrieque , prince abdo , كليوباترا
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

 
جميع الأوقات بتوقيت GMT +5. الساعة الآن 04:06 PM.


Copyright © 2014 . All Rights Reserved. Powered by Alhwash Forums
جميع الحقوق محفوظة لموقع الحواش

Powered by vBulletin® Version 3.6.8